تخطي إلى المحتوى
العودة إلى الحلقات

الحلقة 1

ليش نداوم؟

«ليش نداوم؟» سؤال بسيط يطرحه طفل على والده في الصباح، وتنطلق منه الحلقة الأولى من بودكاست «الفريق الواحد» لتبحث عن معنى العمل أبعد من الراتب: لماذا لا تحرّكنا أرقام الأداء وحدها، وكيف نرى الإنسان والأثر خلف كل رقم من خلال «أنسنة البيانات».

· بودكاست الفريق الواحد · تقديم عبدالله العبري

الصوت غير متوفر لهذه الحلقة بعد.

في الحلقة الأولى من بودكاست «الفريق الواحد» ينطلق عبدالله العبري، المختص في علم الاقتصاد السلوكي، من سؤال يسمعه كل موظف: «ليش نداوم؟» هل هو الراتب فقط، أم أن هناك شيئًا أكبر؟

تبدأ الحلقة من مشهد مألوف: اجتماع طويل، وشاشة مليئة بالإنجازات والنسب ومؤشرات الأداء، وشعور داخلي يتساءل عن معنى كل هذه الأرقام. ومن هنا تشرح لماذا لا يكفي الرقم وحده ليحرّكنا، وكيف يصبح أقرب إلينا حين نعرف الإنسان الذي يقف خلفه.

محاور الحلقة

  • التشخيص: ليش الأرقام أحيانًا ما تحركنا؟ تجربة «روكيا» عام 2007، حين تبرّع الناس لطفلة واحدة لها اسم وصورة وقصة بأكثر مما تبرّعوا لملايين الأطفال في إحصائية، وما يُعرف بـ«التخدير النفسي» (Psychic Numbing).

  • الحل والتطبيق: كيف نخلي الإنجاز أقرب للناس؟ مفهوم «أنسنة البيانات» (Humanizing Data): ألّا نقف عند الرقم، بل نسأل من الإنسان الموجود خلفه، ومن المستفيد، وكيف تغيّرت حياته.

  • مثال عالمي: قائمة الفحص الجراحية التي اقترحها الجرّاح أتول جاواندي لمنظمة الصحة العالمية عام 2008، وكيف يغيّر التأكد من هوية المريض نظرة الفريق الطبي إليه.

  • مثال محلي: عبّارات مجموعة أسياد وعودة المواطنين العُمانيين إلى الوطن عام 2025، ورسالة الشكر التي قدّم بها جهاز الاستثمار العُماني الإنجاز بوجوه من شاركوا فيه وأسمائهم.

  • الإسقاط على يوميات الموظف: الأثر اليومي لموظف يسهّل خدمة إسكانية، أو يشرف على بناء مدرسة، أو يعتمد إنارة طريق.

وتختم الحلقة بدعوة عملية: أن يستحضر كل موظف هذا الأسبوع مراجعًا واحدًا، باسمه أو قصته أو موقفه، وهو ينجز عمله.

المصادر والمراجع

نص الحلقة

الافتتاحية

لما ولدك، أو أحد أفراد العايلة، يسألك الصباح
إنت ليش تداوم؟
ليش متعب نفسك في الزحمة، وطالع من الصباح؟
هل عشان الراتب؟
والا في شي أكبر؟

تعال أخبرك ويش تقول لهم…

مقدمة البودكاست الموحّدة

أهلًا وسهلًا بكم في بودكاست "الفريق الواحد"، الذي يأتيكم من الأكاديمية السلطانية للإدارة.

في هذا البودكاست، بنحاول نقترب من الأسئلة، اللي يعيشها كل موظف في يومه:

ليش نشتغل؟
وايش أثرنا الحقيقي في العالم، في الوطن، وفي أنفسنا؟
وكيف يتحول دور كل واحد فينا، إلى جزء مهم، في خدمة عمان والمجتمع؟

معكم أخوكم عبدالله العبري، مختص في علم الاقتصاد السلوكي،
وراح أرافقكم بإذن الله في هذي الرحلة.

مقدمة الحلقة

تخيل معي هذا المشهد…

انت جالس في اجتماع طويل بعد الظهر، قدامك شاشة فيها أرقام كثيرة، إنجازااااات، ونسب، ومؤشرات أداء، وجداول تقول إن العمل ممتاز، وإنه الأمور طيبة!

تشوف الأرقام، وإحساسك الداخلي يقول، "طيب ويش يعني كل هذا؟"
وشعورك إنك جالس تركض وراء الأرقام، اللي ما تعرف معناها.

لكن هل الرقم وحده يكفي عشان يحرّكنا؟ وهل ممكن نفس الرقم يصير أقرب لنا، إذا عرفنا الإنسان اللي خلفه؟ خلونا نشوف

الجزء الأول: التشخيص — ليش الأرقام أحيانًا ما تحركنا؟

خلوني أخبركم عن تجربة ملفتة.

عام 2007، طرح الباحثين سؤال عجيب:

لو خيرنا الناس يتبرعوا لطفلة جائعة، اسمها "روكيا" من جمهورية مالي،
أعطيناهم صورتها وقصتها، وفي المقابل يتبرعوا لملايين الأطفال الجوعى،
على شكل صورة إحصائيات ضخمة، تتوقعوا أي الخيارين بيتبرعوا له الناس أكثر؟

المنطق يقول، إن الإحصائيات تجيب تبرعات أكثر، لأن العدد أكبر،
والحاجة أكبر، والمأساة أوضح.

بستغربوا، إنه النتيجة كانت مختلفة، الناس تبرعت لـ "روكيا" بمبالغ أكثر بكثير، من المجموعة اللي شافت الإحصائيات والأرقام.

لأن عقل الإنسان يتفاعل مع القصة، ويعيشها ويتعاطف معها.

لكن، لما يشوف الرقم الكبير، ممكن يحس إنه المشكلة بعيدة،
أو أكبر منه، أو ما يعرف حتى يتعامل معها…

وهذا اللي يُطلق عليه "التخدير النفسي" أو، Psychic Numbing.

يعني الرقم الكبير بدل ما يخلينا نتعاطف أكثر، أحيانًا يخلينا نتعاطف أقل.

لكن لما نشوف "روكيا"، نعيش قصة إنسانة.
لها اسم، صورة، وحياة ساهمنا في تغييرها للأفضل!

وهنا نفهم شيء مهم، في سلوكنا الإنساني، إنا ندرك حجم المشكلة بعقولنا، لكن ما نعيشها بقلوبنا.

وإنه الإنسان يكون بعيد نفسيًا عن تجربة غيره، يفهم الرقم، ويعرف أن فيه احتياج، لكنه ما يقدر يعيش حاجة الشخص الي قدامه.

وهذا يصير حتى في دوامنا.

ممكن نشوف "عدد معاملات"، وما نعيش حاجة المواطن الي واقف في سيد طويل في طابور الانتظار.
ممكن نشوف "مؤشر إنجاز"، وما نعيش فرحة عائلة سكنت في بيتها الجديد.
وممكن نشوف "ملف مكتمل"، وما نعيش فرحة مراجع أنجزت معاملته بسلاسة.

ومن هنا نرجع لسؤالنا الأول:
ليش نداوم؟

إذا كان الدوام في نظرنا مجرد ملفات وأرقام، بنفقد المعنى بسرعة
لكن، إذا قدرنا نعيش حياة الإنسان خلف الرقم، وقتها يصير للدوام معنى أكبر.
نقدر نشوف أثرنا، وإن دوامنا كل يوم له قيمة في حياة الناس.

الجزء الثاني: الحل والتطبيق — كيف نخلي الإنجاز أقرب للناس؟

طيب، إذا كانت الأرقام ما تكفي وحدها، كيف نخلي الإنجاز الحكومي أقرب للناس؟ وكيف نخلي الموظف يشوف قيمة دوامه كل يوم…

هنا تجي أهمية الطريقة اللي نسرد فيها قصة النجاح: كيف نحط الرقم داخل سياق إنساني يخلي المستمع يعيشه ويتفاعل معه.

وأيضَا يجي مفهوم "أنسنة البيانات" أو Humanizing Data.
ليكمل السرد!

أنسنة البيانات معناها إنا ما نوقف عند الرقم، لكن نسأل:
من الإنسان الموجود خلف هذا الرقم؟
من المستفيد؟
كيف تغيرت حياته بسبب هذا العمل؟

أنسنة البيانات ما تلغي أهمية الرقم.
لكنها تعطي الرقم وجه، وقصة، ومعنى له أثر

وهذا يساعدنا في القصة اللي نحكي من خلالها أدوارنا وأعمالنا للزملاء داخل المؤسسة، أو لموظفي الجهات الأخرى، أو للمستفيدين، بحيث يعيشوا الأثر الحقيقي لدوامنا

فيعيشوا معنا الدور بشكل أكبر، ويؤمنوا بقصة النجاح الي نسعى لتحقيقها!

مثال عالمي

وعشان تفهموني بشكل أكبر، خلوني أعطيكم مثال جميل جدًا من عالم الطب.

عام 2008، كانت منظمة الصحة العالمية تواجه مشكلة مفزعة،
أرقام الوفيات والمضاعفات في العمليات الجراحية حول العالم كانت مرتفعة جدًا.

استعانوا بجراح أمريكي، اسمه "أتول جاواندي" لإيجاد حل.

الجميل أن دكتور "أتول" ما اخترع جهاز طبي معقد بملايين الدولارات،
لكن اقترح شيء أبسط بكثير…

اقترح "قائمة فحص جراحية" بسيطة، أو (Checklist)، تُقرأ قبل أي عملية.

وتعرفوا ايش كان من ضمن بنودها؟

كان ببساطة، إن الفريق يتأكد بصوت واضح من هوية المريض، والإجراء المطلوب، وموقع الجراحة، قبل البدء.

هذا الإجراء البسيط أخذ المريض من خانة "الحالة رقم 5 في السرير باء ألف الجناح الأخضر"، وحوله إلى "سعيد أب لطفلين وعمره 34 سنة".

ويمكن هذي النقلة الإدراكية هي اللي ردمت الفجوة، وخلّت الطاقم الطبي يتعاطف ويركز أكثر، ويتعامل مع الجراحة بمسؤولية شخصية مضاعفة.

والنتيجة؟ ساهم تطبيق القائمة في تحسين سلامة العمليات وخفض المضاعفات والوفيات.

التغيير هنا ما كان في المعدات، بل في طريقة النظر إلى الإنسان.
وهذي هي قوة أنسنة البيانات، إن الأرقام تتحول إلى قصص أقرب للقلب.

وهذا اللي نحاول نقوله في الحلقة: بدلًا من تقديم مهامنا وأهدافنا وإنجازاتنا ببيانات جامدة، علينا إنه نقدمها بطريقة تبرز الإنسان اللي بيستفيد منها.

مثال محلي: أسياد

استعرضنا معكم أمثلة ونماذج عالمية، لكن،
خلونا نشوف كيف استخدمنا أنسنة البيانات في سلطنة عمان؟

في عام 2025، ومع تطورات الأحداث في المنطقة، كان عدد من المواطنين العُمانيين عالقين في جمهورية إيران، وتقرر إعادتهم إلى الوطن بطرق متعددة، ومنها النقل البحري.

هنا تحركت عبارات مجموعة أسياد، التابعة لجهاز الاستثمار العُماني،
ضمن جهد وطني متكامل، وساهمت في تنظيم رحلة العودة بأمان.

خلف هذا الإنجاز فريق متكامل يشتغل في التنسيق، والتواصل، وترتيب حركة العبّارات، ومتابعة التفاصيل التي تضمن سلامة الرحلة.

ممكن في العادة، مثل هذا الخبر يُنشر بصيغة خبرية مباشرة:
"إعادة أكثر من 1300 شخص من جمهورية إيران بأمان"

وهذي صياغة صحيحة من حيث الأرقام ودقة المعلومة، ولكنها جافة وبعيدة عن أي ارتباط عاطفي.

لكن جهاز الاستثمار العُماني قدّم القصة بطريقة أكثر إنسانية، نشر صور وأسماء اللي ساهموا في هذه المهمة، ضمن رسالة شكر باسم معالي رئيس الجهاز ومنتسبيه مع عنوان جميل:
"الأوطان تشاد بالعزائم والتضحيات."

وهنا ما صرنا نشوف الإنجاز كخبر عابر فقط.
صرنا نشوف وجوه، وأسماء، وعزائم.

شفنا علي الفطيسي وعلي الطنيقي وغيرهم، كجزء من جهد وطني جعل عودة المواطنين ممكنة، وصرنا نفتخر بهم ونعرف قصة الفريق اللي وقف خلف هذا الجهد الجبار.

وأكيد هم كفريق حسّوا بقيمة أثرهم وعاشوا قصة كل شخص عاد للوطن بأمان..

وهنا الأثر من القصة:
الموظف اللي كان يتابع جدول رحلة، أو ينسق مع الفريق، أو يتأكد من تفاصيل صغيرة في مسار العبّارة، يمكن في يومه العادي يحس أن عمله روتيني.

لكن في لحظة مثل هذي، نفس هذه التفاصيل تصير مرتبطة برجوع مواطن إلى وطنه، وعودة أب إلى عائلته.

هذا هو الفرق بين أن نقول "تم إنجاز المهمة"، وبين أن نروي الأثر الإنساني لها.

الأول يخبرنا أن العمل تم.
والثاني يخلينا نعيش قصة وأهمية هذا العمل.

الإسقاط على يوميات الموظف

أنا وأنت في دوامنا يمكن ما نشتغل في إخلاء بحري، ولا في حل أزمة عالمية، ولا في جذب استثمارات دولية.

لكن أثرنا اليومي موجود، حتى لو ما شفناه بشكل مباشر.

الموظف اللي يسهّل خدمة إسكانية، ما بس يراجع طلب في نظام، هو يقرّب عائلة من الاستقرار في بيتها.

الموظف اللي يشرف على بناء مدارس، هو ما بس يتابع إجراء إداري، هو يساهم في بيئة تعليم أفضل لكل طالب!

المهندس اللي يعتمد إنارة طريق، هو ما يوقّع على مخطط فقط، هو يصنع طريق أكثر أمانا للناس.

هذي هي أنسنة العمل الحكومي.

إنك تعيش قصة الإنسان المراجع قبل الرقم والملف.

الخاتمة

ختامًا يا عزيزي المستمع، ويا زميلي في العمل..

اتفقنا اليوم إننا في شغلنا ما نتعامل مع أرقام وملفات فقط
نحن نتعامل مع قصص حياة وتجارب واحتياجات الناس

عرفت الحين إيش ممكن ترد على سؤال ولدك:
"بابا انته ليش تداوم؟"

ممكن تقول له:
أداوم عشان عائلة تسكن في بيت العمر.
وعشان طالب يتعلم في بيئة تعليمية أفضل.
وعشان طريق يصير أكثر أمانًا.

أنسنة الأثر مصطلح ما نحفظه ونعلقه في المكتب.
هي طريقة نعيش بها دوامنا كل يوم.

زميلي في العمل
أريدك هذا الأسبوع، وانته في دوامك، تحاول تتذكر مراجع واحد في عملك، اسم، أو قصة، أو موقف.

وخليه حاضر في بالك وأنت تنجز مهمة، أو تراجع ملف، أو ترد على رسالة.

يمكن وقتها، سؤال "ليش نداوم؟" ما يكون مجرد سؤال عابر.
يمكن يصير فرصة لطيفة، نتذكر فيها أن لعمل كل واحد فينا أثر.

أتمنى تكون حلقة اليوم قدمت لكم منظورًا جديدًا ومختلفًا،
يعطي يومكم الوظيفي معنى له أثر.

لا تنسوا الاشتراك في البودكاست، وتابعونا على منصاتنا المختلفة، وتشوفو المصادر والدراسات في صندوق وصف الحلقة.

ألقاكم على خير في الحلقات القادمة من بودكاست "الفريق الواحد"، وشكرًا لكم على حسن الاستماع.

في أمان الله.

حلقات ذات صلة